الرئيسية / ثقافة / إنتحار الذاكرة… في زمن العنكبوت -1-
إنتحار الذاكرة في زمن العنكبوت

إنتحار الذاكرة… في زمن العنكبوت -1-

 

إنتحار الذاكرة في زمن العنكبوت

قصة قصيرة بقلم : الطالبة وداد المحمدي 

 

فجأة..ارتأى له نور من بعيد، فجأة.. رفرفت داخله سعادة فائقة لم يشعر بمثلها يوما، أكان يعيش ظلمة طيلة حياته؟! أم حانت لحظته الحاسمة ليبعث للحياة من جديد؟! أحس بدهشة غمرت كيانه وبخوف واربتاك سجنه في قفص من التساؤلات حول ما يجري له وما يحس به وما يخبئه له القدر. لقد كان مستلقيا للحظة بعدما تشنجت أحلامه التي ارتطمت بصخور الواقع ومنحدرات الزمن الحي الذي مافتئ يدمر أحلاما رافقته منذ طفولته إلى الآن. ردد في نفسه:
أ أنانفس الشخص الذي كنته البارحة، أتلك حقيقتي، أم أن الحقيقة في لحظتي هاته، أم أنني ربما سأختبر حقيقة أخرى غذا أو يوما ما؟ أو ربما سأنتظر متى يحين دور اسمي في سجل القدر، متى… متى… متى يا ترى، متى سينتهي هذا الانتظار القاتل، متى ستنتهي حيرتي وتساؤلاتي؟ متى سأحس بعبق الأشياء، بخباياها، بما تستأثر في نفسي، بعنفوان أحلامي برغبتي، هل حان الوقت لأنفض عني غبار الأطلال، كفى بكاء ونحيبا، كفى عيشة وسط الأموات في زمن الشوارع والطرقات. أنا الأن حي أرزق، ماذا جنيت من عيشي في زمن الذاكرة الخائن..
ثم شعر ببعض الاختناق وكأنما هي الحروف لم تعد تقوى على أن تخرج لهذا العالم الحزين المبهم الذي صنعته له أحاسيسه المحبطة والتي استيقظت بعد انصهار الذاكرة في الحاضر والمستقبل.
تناول كأس ماء بيديه المرتجفتين الباردتين، لم يحس بهما هكذا من قبل، خفق قلبه لهول هذا الإحساس، ذهل لكن ذلك لم يمنعه من ارتشاف بعض قطرات الماء عله يحس ببعض الراحة و الهدوء، وعساها تطفئ النيران المشتعلة داخل جسمه الهزيل، ثم بعد ذلك التفت لخزانة كتبه التي لطالما كانت رفيقة دربه وأنيسته كل تلك الأيام، كانت مميزة عنده، قد يفضلها عن أي امرأة عن أي صديق أو أخ، لما لا وهذه الخزانة تحمل كتبا ومنشورات وصحف وروايات وقصص لثقافة العالم كلها زُينت بها الرفوف، فكلما شاء حل و ارتحل وسط الصفحات وبين الجمل والعبارات، أثار انتباهه شيء غريب في خزانته، يملأها الغبار وخيوط العنكبوت التي ما فتئت أن اتخذت لها موطنا بين الرفوف وكأنها وجدت هناك المكان الأنسب لتأسيس إمبراطوريتها.
شعر بالغيض والنفور وهو الذي لطالما كان يهتم بتنظيف رفوف كتبه، لم يفارقها، لقد كانت بالنسبة له أغلى من الذهب وأثمن من الجواهر.
استشاط غضبا ثم شعر بحزن قاتل قائلا:
أيعقل هذا..؟ ما الذي يحدث؟ لقد نظفتها البارحة، كيف للعنكبوت أن تكون بهذه الحرفية وأن تنسج خيوطها القدرة لتحجب عني ثروتي.. كل ما أملك..كتبي.. ما الذي يجري؟ تعجبت لما أحسه وأعانيه داخلي،وهاهي ذي ممتلكاتي أيضا تبادلني شعوري الدفين، أيمكن أن تحس بما أحس به؟؟ هل من الممكن أن تتألم كتبي من هذا الواقع الكئيب لتحجب عنها الحياة مما جعلها فريسة سهلة للعنكبوت ولمرارة النسيان، لم أهملها ترى ماذا يحدث؟! الموت أرحم.. الموت أرحم..
سقط أرضا، استسلم لصمته، لكن عيناه الكبيرتين مازالتا تحدقان في كتبه من شدة الدهشة، وكأنما يعيد ترتيب أفكاره، يحاول تصديق ما يصعب تصديقه، يطرح فرضيات حول ما يحصل، ولا يجد سوى السواد يتخلله نور بعيد المنال كالذي أحس به وشعره في السابق.
استفاق من صمته، ثم نهض ونفض عنه الغبار، حاول أن يقوم بشيء عله ينسى للحظة معاناته، آلامه، تساؤلاته.. إخفاقاته في إيجاد الأجوبة، وبعناد وكبرياء غير معتاد، اتجه نحو المطبخ ليحضر مكنسته ليضع حدا لإمبراطورية العنكبوت.
لكنه بحث طويلا، وفي أرجاء المنزل لم يجد أدوات التنظيف، حاول مقاومة غضبه وتهدئة نفسه، ثم اتجه إلى خزانة ملابسه يبحث عن منديل أبيض ينظف به.

يتبع….

 

 

عن عبد الحفيظ

عبد الحفيظ
عبد الحفيظ ندبوبكر من مواليد 1983، مصور، مسير مقاولة، فاعل جمعوي، مراسل لجرائد. ومؤسس موقع أولوز نيوز، متابع لما هو جديد في ميدان التقنية المعلوماتية.

شاهد أيضاً

ملتقى اداوكماض22

فيديوهات أولوز نيوز للملتقى الأول بإدوكماض.

طاقم “أولوز نيوز” كان حاضرا في ملتقى إدوكماض التنموي والبيئي والثقافي الأول بتغطية إعلامية لكافة …