الرئيسية / ثقافة / إنتحار الذاكرة… في زمن العنكبوت -2-
إنتحار الذاكرة في زمن العنكبوت

إنتحار الذاكرة… في زمن العنكبوت -2-

إنتحار الذاكرة في زمن العنكبوت

 

قصة قصيرة بقلم : الطالبة وداد المحمدي 

لِمَ المنديل الأبيض يا ترى؟ هل كان يحاول أن يعقد صفقة سلام مع العائلة العنكبوتية المالكة ربما؟!لكن ومع كل هذا أخفقت كل محاولات بحثه، رمق نظرة عابرة صامتة على خزانة كتبه وكأنما يخجل من إظهار حزنه وإخفاقه أمام الأعداء من جهة، وكأنما يظهر مواساته لكتبه ويتوعدها بالخلاص وأن يخلصها من استعبادها، ليعيد لها الحياة ويبعد عنها الحصار. ارتدى ملابسه وبخطى مسرعة توجه إلى البهو بحثا عن هاتفه النقال فوجده.. رسمت محياه ابتسامة ماكرة أحس بوقعها في قلبه، استسلم لخباياها ظنا منه أن سوء الحظ بدأ يغير مساره، وبأن لحظاته القادمة ستتحسن وهو الذي أخفق في إيجاد المكنسة والمنديل، ليجد بدلهما الهاتف دون تعداد دقائق البحث والانتظار.
بعدما أحكم إغلاق باب شقته وبينما هم بالمغادرة، لفت انتباهه منظر مخيف، إنها الشقق المحيطة بشقته، جدران العمارة.. سقفها، المصابيح في كل مكان تتواجد بيوت وأعشاش العنكبوت بخيوطها البيضاء المخيفة التي تثير الحيرة والشكوك. صاح قائلا:
ما هذا؟ أنمت طويلا؟! وأنا الذي تركت المكان البارحة نظيفا، أجننت، بحق السماء ما الذي يحدث، أيعقل أن هذا ناتج عن إهمال البواب وتماطله عن ما كلف به؟ ولكن ما ذنبه إن كان في بيتي.. في خزانة كتبي..؟! ثم سكت.
أحس بخطورة الأمر، استوعب اللحظة ثم انصرف.
وفي الزقاق أغمض عينيه، ليحس بلمسات النسيم العليل تلاطف وجهه رغم أنها لم تكن بالقوة التي أرادها، لم يشعر بها من أعماقه، لم تلامس أوثار قلبه، كيف لا و ناطحات السحاب تحاصر لطافة الطبيعة ورومنسيتها، مازال على حاله لمالا يريد فتح عينيه؟ أيخاف أن يصطدم بواقع جديد؟ أيود أن يستمر في عيش الأحلام؟ ألم تعد له الجرأة لمواجهة الحقيقة؟ أين اختفى عناده؟ هل انكسر.. اندثر؟ أم أنه استسلم لأصداف التساؤلات التي تبقيه مقيدا داخل قفص الحيرة والهموم، لما لا يفتح عينيه ليرى ما كان محتجزا، ليرى الصورة الحقيقية لما تعود هو وأمثاله رؤيتها بعكس ما كانوا بظنونها تبدو. الصورة التي زينت لهم وبدت حقيقية، الصورة الافتراضية التي سيطرت على حياته وحياتهم وأبعدتهم عن فطرتهم وطبيعتهم التي كان يجب أن يحسوا بها وأن لا يستسلموا للقادم من الأمور، أو بالأحرى أن لا يسمحوا بالاستعباد، هيا..استفق..كفاك عيشا في الظلام، افتح عينيك، أنظر ما جهِلته، انظر إلى النور كم هو جميل عندما يخترق السواد، كفاك سعادة في عالم الأحلام والأوهام، استفق لتعيش شقاءك ولتصنع سعادتك في عالم الحقيقة والأحياء.
استسلم لفضوله ولرغبته الدفينة في إن يكشف الوقائع وأن يضع النقط على الحروف وان يملأ الفراغ إن صح التعبير.
وكانت المفاجأة… !!
وجوه شاحبة، أزقة ميتة، خيوط العنكبوت متناثرة هنا وهناك وفي كل مكان. لا من يرد عليك السلام، وحتى النساء اللواتي كن يتحدثن فيما بينهن عبر النوافذ، وكن يزعجن الحي بضحكتهن البريئة أحيانا والصاخبة أحيانا أخرى، اختفى وقع كل هذا، رغم أنه لم يحبذ هكذا أجواء، إلا أنه للحظة اشتاق إليها، أحس بالحنين لها، أرادها في حياته، أرادها أن تعود، و أن يشعر بالغضب كلما سمع جارته تحدث صديقاتها عن إحدى نساء الحي بما اشترته من السوق من ماكياج و ملابس ومجوهرات، أو عندما يسمع النساء تغتاب في أخرى حول شجار دار بينها وبين زوجها، أو يلعبن دور المندد بالعنف ضد المرأة عندما يتحدثن عن صفعة تلقتها إحداهن من زوجها، أين هم الأطفال الذين كانوا يعرقلون حركة السير بسبب كرة قدم الشوارع التي كانوا يحبونها كثيرا، أين… أين اختفى كل هذا؟!

يتبع…..

عن عبد الحفيظ

عبد الحفيظ
عبد الحفيظ ندبوبكر من مواليد 1983، مصور، مسير مقاولة، فاعل جمعوي، مراسل لجرائد. ومؤسس موقع أولوز نيوز، متابع لما هو جديد في ميدان التقنية المعلوماتية.

شاهد أيضاً

طاقات في التنس يأولوز

طاقات في التنس بأولوز +فيديو

أمام الطاقات الإبداعية التي تزخر بها منطقة أولوز في عدد من المجالات نرصد لكم مثال …