الرئيسية / اقتصاد / ارقام النمو بالمغرب و سوء الفهم الكبير
12992001_1702921329950132_1117225164_o

ارقام النمو بالمغرب و سوء الفهم الكبير

12992001_1702921329950132_1117225164_o

في كل مرة تصدر فيها مؤسسة مستقلة عن الحكومة ارقاما تتعلق بالنمو إلا و تعود الى الواجهة اشكالية صدقية توقعات  النمو بالمغرب، في ظل وجود ثلاث مؤسسات رسمية تتكلف  بإصدار هذه الارقام وهي : وزارة المالية، المندوبية السامية للتخطيط ، بنك المغرب . وفي هذا السياق  اعلن  بنك المغرب، عقب اجتماعه الفصلي الاخير المنعقد بتاريخ 21 مارس 2016، أن نسبة النمو لهذه السنة لن تتجاوز % 1  ، مراجعا بذلك توقعاته المقررة  في الاجتماع الفصلي لدجنبر  2015 والمحددة في نسبة %2,1 كمعدل نمو متوقع لسنة 2016 ، و مخالفا أيضا توقعات الحكومة المحددة في نسبة %3، فيما توقعت مندوبية الحليمي نسبة لا تتجاوز %2,7، اما توقعات صندوق النقد الدولي فقد كانت أكثر تفاؤلا بحيث اعتبر أن نسبة% 3,7 قابلة للتحقق.

اشكالية  تضارب نسب النمو في المغرب بين الحكومة ممثلة في وزارة المالية من جهة و بين المندوبية السامية للتخطيط  وبنك المغرب كمؤسستين مستقلتين عن الحكومة من جهة ثانية يتجاوز  توقع نسبة النمو التي تحدد عموما  بداية السنة المالية ليطال  معدل النمو نفسه الذي يحتسب بعد انقضاء السنة المالية، و الذي من المفروض أن يكون رقما موحدا وواقعيا يعبر عن النمو الذي تحقق فعليا على أرض الواقع، وهو ما يعتبر خللا و اشكالا حقيقيا يجب العمل على تجاوزه، وذلك لأهمية هذه الارقام في تقييم السياسات العمومية، وكذا في توجيه دفة الاقتصاد الوطني.

غير ان النقاش العمومي المتصل بهذه المسألة غالبا ما يتجه في منحى تحميل الحكومة المسؤولية عن هذا الخلل، وذلك باتهامها بتضخيم ارقام النمو الصادرة عن وزارة المالية، بغاية تزييف واقع المنجزات الاقتصادية و اعطاء صورة وهمية عن وضعية الاقتصاد ونموه خذمة لأجندة حزبية ضيقة. هذا النوع من التحليل  الذي يفتقد للدقة ويختزل الاشكالية في سوء نية الحكومة ينشر سوء فهم كبير، كما أنه يمنعنا من البحث عن الاسباب الموضوعية لهذا التضارب في أرقام المؤسسات الرسمية . ولهذا ارتأيت أن اوجز في هذا المقال أهم هذه الأسباب و كذا بعض سبل تجاوزها، ولكن قبل ذلك اقدم للقاريْ  فقرة مختصرة عن مصطلح مؤشر النمو و أهمية احتسابه و بعض اوجه قصوره.

يقصد بمؤشر النمو في الاصطلاح الاقتصادي تلك النسبة المئوية التي يحققها نمو الناتج الداخلي الخام، أي نمو الدخل الوطني؛  وتوجه حاليا عدة انتقادات لهذا المؤشر لكونه لا يعطي اي فكرة عن مدى عدالة توزيع فوائد النمو على كل الطبقات الاجتماعية، أضف أنه لا يدمج  الرأسمال اللامادي، واقتصاد المعرفة و الابتكار في حساب القيمة المضافة . ولكن بالرغم من ذلك ما زال هذا المؤشر يلعب دورا هاما في تصنيف اقتصاديات العالم، و بالتالي قياس مدى تنافسيتها؛ مما يجعل دوره محوريا في جلب الاستثمارات الاجنبية، حيث أن الرساميل العابرة للقارات غالبا ما تتجه للاستيطان في الدول ذات نسب النمو العالية، هذا بالإضافة الى الدور الذي تلعبه هذه الارقام في توجيه السياسة الاقتصادية و النقدية للدول، وهو كذلك احد مؤشرات تقييم اداء الحكومات. هذه الاهمية تفرض اذن ان تكون ارقام النمو المتوقعة و المحققة موحدة و عاكسة قدر الامكان لمعطيات الاقتصاد الوطني.

وعن أهم الاسباب الموضوعية  لتضارب الارقام الرسمية للنمو في المغرب وبعض سبل تجاوز هذا الاشكال، نورد ما يلي :

أولا، القطاع الغير المهيكل : القطاع الغير المهيكل في المغرب هو أحد التحديات الكبرى التي تواجه تدبير السياسة الاقتصادية و المالية في المغرب، فعلاوة على أثاره البالغة على منظومة الجبايات والمتمثلة في عدم مساهمته الضريبية في تحمل نفقات الدولة  اٍسوة بفاعلي القطاع المهيكل، يبقى التحدي الاعمق الذي يطرحه هذا القطاع هو كون الدولة لا تتوفر على معطيات و احصائيات دقيقة حول وضعيته، و كل ما يتوفر للمصالح المختصة هو عبارة عن تقارير و دراسات وابحاث  تبنى بمنهجية احصائية علمية لا شك، لكن خلاصاتها و نتائجها تبقى نسبية و تقديرية؛ عكس فاعلي القطاع المهيكل الملزمين بتقديم بيانات و تصريحات الى المصالح الضريبية و الى غيرها من المؤسسات كمكاتب الاستثمار و المصالح الادارية المكلفة بالتراخيص…وهذا يعني ان المؤسسات الرسمية تتوفر، فيما يتصل بالقطاع المهيكل، على معطيات لها ما يكفي من الدقة و الواقعية  من أجل قياس تقريبي لحجم الانتاج و معدل نموه. و القطاع الغير المهيكل هو في حقيقة الامر ظاهرة عالمية، يوجد حتى في الاقتصاديات المتطورة ،لكن حجمه و تأثيره في هذه الاقتصاديات يبقى ضعيفا بالمقارنة مع أهمية وهيمنة القطاع المهيكل فيها. اما في المغرب فالقطاع الغير المهيكل يستحوذ على حصة مهمة من الانتاج الوطني، و لضرورات اجتماعية تم السماح له عبر عقود من اجل كسب مساحات جديدة الى ان اصبح يضاهي في اهميته القطاع المهيكل،  مما يصعّب مهمة توقع او قياس نسبة النمو و غيرها من المؤشرات الاقتصادية و الاجتماعية كمؤشر البطالة و الفقر؛ و بالتالي تصبح مصداقية اي رقم مقدم حول حجم الانتاج الوطني او نسبة نموه على المحك. ومن أجل التغلب على هذا الاشكال المتعلق باتساع رقعة الاقتصاد الغير المهيكل، يجب ان تعمل الدولة على دمجه تدريجيا في دواليب الاقتصاد المهيكل عبر مشاريع و برامج، وهو ما تحاول وزارة الاقتصاد الاجتماعي القيام به عبر برامج عدة  كبرنامج رواج. الفكرة هنا ان تحسين صدقية و شفافية ارقام الدخل الوطني و نسب النمو يمر حتما عبر العمل على ادماج فاعلي القطاع الغير المهيكل ؛ أما في ظل الوضع الراهن المتسم بهيمنة القطاع الغير المهيكل، فتصبح كل الارقام قابلة للتشكيك، لا تلك الصادرة عن وزارة المالية ولا تلك المعلن عنها من طرف بنك المغرب او مندوبية التخطيط.

ثانيا، اختلاف التقنيات و المعطيات المعتمدة لتقدير ارقام النمو : تضارب ارقام النمو بين المؤسسات الرسمية يعزى ايضا في جانب كبير منه، حسب عدد من الباحثين، الى عامل اختلاف التقنيات المستعملة، فاذا كانت المندوبية السامية للتخطيط تعتمد على تقنيات  الأبحاث و العينات الاحصائية من اجل تقييم و تقدير بعض مكونات الناتج الداخلي الخام، فان البنك المركزي غالبا ما يستند الى الارقام و المِؤشرات المالية و النقدية  المتوفرة لديه بصفته السلطة المنظمة لسوق المال و النقد من أجل  تقييم النمو ، اما الحكومة فتعتمد على الاحصائيات القطاعية التي تعدها مختلف المصالح الادارية  المتصلة بالقطاعات الانتاجية –  الاحصائيات المتعلقة بالإنتاج الفلاحي التي تعدها وزارة الفلاحة نموذجا – . لكن هذا الاختلاف في التقنيات و في نوعية وجودة المعطيات، لا يبرر وحده ان تكون النتائج و الارقام المتوصّل اليها متباعدة جدا، بيد أن  استقلالية  المندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب عن الحكومة و كذا  غياب اليات للتنسيق بين هذه المؤسسات كلها عوامل تزيد الامر تعقيدا.

ثالثا، استقلالية بنك المغرب و المندوبية السامية للتخطيط و اشكالية غياب اليات التنسيق : اذا كان تمتع البنك المركزي بالاستقلالية عن الحكومة عرفا عالميا و امر طبيعيا  تفرضه طبيعة وظيفته الحساسة المتمثلة في تدبير السياسة النقدية – رغم ان النقاش الاكاديمي يتناول أيضا مدى نجاعة خيار استقلالية البنك المركزي في اقتصاد صاعد كالمغرب خاصة بعد افرازات الازمة المالية العالمية لسنة 2007 – فان استقلالية المندوبية السامية للتخطيط تطرح اشكالا حقيقيا من حيث الفائدة و الجدوى، اذ ان دور مثيلات هذه المؤسسة في غالبية الدول يتمثل في القيام بأبحاث ودراسات احصائية و تقديم المساعدة للحكومة من أجل اتخاد القرارات المناسبة على ضوء النتائج و الخلاصات المتوصّل اليها عبر تقنيات التحليل الاحصائي، وتروم هذه المراكز في جل دول العالم الى استغلال المعارف العلمية المتصلة بالإحصاء و القياس الجبري من أجل عقلنة اتخاد القرار؛ هذا الدور يستلزم ان تكون هذه المؤسسة رهن اشارة الحكومة لا مستقلة عنها، و هو الوضع القائم في فرنسا مثلا حيث أن مركز التحليل الاستراتيجي- المفوضية العامة للتخطيط سابقا- هي احدى المصالح التابعة مباشرة للوزير الاول، اذ ليس من المعقول ان تكون المؤسسة التي  تتكون وظيفتها اساسا في تقديم الاستشارة وانجاز الدراسات الاحصائية و الابحاث الميدانية لصالح الحكومة، مستقلة عن هذه الحكومة، بل اكثر من ذلك ان تعاكس ارقامها ارقام الحكومة، أي أن هذا الخلل الحاصل حاليا في المغرب  استثناء يجب تجاوزه اولا، بإعادة النظر في استقلالية المندوبية السامية للتخطيط، ولما لا في استقلالية بنك المغرب،  وثانيا بابتداع اليات للتنسيق كاللجان المشتركة التي يجب ان تضم كل المتدخلين في انتاج ارقام المحاسبة الوطنية  بغية  الخروج  بأرقام موحدة تتعلق بالنمو وبغيرها من المؤشرات الاقتصادية ،لان تضارب الارقام من شأنه ان  يخلق تذبذبا و اضطرابا في المصداقية الاقتصادية و التجارية للاقتصاد الوطني على المستوى الدولي ، مما سيكون له تأثير لامحالة على استقطاب الاستثمار الاجنبي، فالرأسمال كما يعرف الجميع جبان و متردد.

هذه فقط محاولة  لرفع اللبس وسوء الفهم المتعلق بتضارب ارقام النمو في المغرب بين ثلاث مؤسسات رسمية، وهي ارقام من المفروض كما قلنا ان تكون موحدة وواقعية ؛ وهذا لن يتأتى الا اذا كان الاشتغال منصبا  على ادماج قطاعات عريضة من الانتاج الوطني في الاقتصاد المهيكل، ثم على تقييم و اٍعادة النظر في تجربة استقلالية كل من بنك المغرب و المندوبية السامية للتخطيط ، وكذا على خلق اليات للتنسيق بين المؤسسات و المصالح المتدخلة في انتاج ارقام النمو .  اما اتهام الحكومة بتزييف الارقام او اتهام المندوبية وبنك المغرب بمعاكسة توجهات الحكومة فما هو الا تحوير للنقاش وتكريس للفهم السطحي و الشعبوي  للأمور.

عن OMAR OUBELLA

OMAR OUBELLA

شاهد أيضاً

ملتقى اداوكماض22

فيديوهات أولوز نيوز للملتقى الأول بإدوكماض.

طاقم “أولوز نيوز” كان حاضرا في ملتقى إدوكماض التنموي والبيئي والثقافي الأول بتغطية إعلامية لكافة …