الرئيسية / أخبار محلية / عن مـــآسي تارودانت، رسالةٌ مفتوحة
ماسي تارودانت

عن مـــآسي تارودانت، رسالةٌ مفتوحة

ماسي تارودانت

 

    بقلم : عبدالله ادعبدالله

زخاتٌ مطرية لساعة من الزمن تكفي لتودي بأواح، وادٌ يفيضُ و يغمرُ قرية… شعابٌ تحملُ فتجرّ منازلاً و ضيعات عائليّة. مياهٌ لا تجدُ مجرى لتصريفها فتحفرُ و تدمّرُ و تجرّ ما يتعارضُ مع طريقها من مواشي و منازل و أناس حتّى. جسدُ امرأة يتركهُ الوادُ بين حشائش الأشجار و مخلفاتُ الرواسب تخفي ما سلبهُ الوادُ من أثاث المنازل

و جثت المعز و الأغنام. دمارٌ و خرابٌ. الوادُ مرّ من هنا، تماماً كالسنة الماضية و التي قبلها و التي من قبل… مشهدٌ يتكرر كلّ عام.
هذا ليس مشهداً من فيلم أو مقطعاً من رواية خيالية بل هو واقعٌ. واقعٌ صادمٌ. مشاهدُ ما بعد الكارثة.
السنة الماضية و التي قبلها، و السنوات التي من قبلُ، جميعها تحملُ أرشيفَ دمارٍ يتكرر كلّ فصل. كلّ سنة عندما تهطلُ أمطارٌ تنتظرها الساكنةُ بفارغ الصبر. صبرٌ تتجرع العائلاتُ مرارته كلّ سنة. صبرٌ حتى يأتي المطر، ثم صبرٌ حين المطر و صبرٌ بعده. صبرٌ على فاجعة تصيبُ الماشية، تجرّ ضيعة الجار و تمحُ أثر قرية… أو أسوأ من ذلك وادٌ يزهق الأرواح بشكل فظيع.
لن أطرحَ سؤالاً، و لن أجيب عن استفسار.هذا ما دار في ذهني من هول الفاجعة. هذا ما اجتاح خاطري حين توصلتُ بأخبار الكارثة. السنة الماضية و التي قبلها، جرّ الوادُ أسراً و محى معالم قرية عاش أهلها السنين بأمان ثمّ في ظرفِ ساعة أو أقل تختفي القرية. السبب؛ القدرة الإلهية ؟؟. نعم هي قدرة الله ما شاء فعل. لكن الشعاب التي كانت تمرّ بالقرب القرية لم يهتم أحدٌ بتغيير مجراها أو فقط تحديد مسارها أو أقلّ من ذلك بكثير : إنذار و تحذير الساكنة.و ذلك أدنى الايمان.
تعالت الأصواتُ حينها مستنكرة و مشددة على ضرورة التدخل. تدخل أحد المسئولين و زار المنطقة و أطلق وعوداً. يبسَ الطّمرُ و جفّ الوادُ فتبخّرت الوعود و رحل الرجلُ دون أن يتحق شيء. ما زالت آثارُ القرية قائمة كقرية مرّ عليها طوفان نوح فاستحالت خراباً. ومن يرد زيارة مآثرها ما عليه سوى سلك الطريق الرابطة بين تهلاّ و أولوز.
الحال نفسهُ و المصيرُ ذاته عاشه أناس على الضّفة الأخرى من الوادي. إدواكماض حيثُ دُمّرت منازل و اجتثت المزارعُ و اقتلعت الأشجارُ. و في نفس المنطقة في الضفة الأخرى على مستوى القرى التي تقعُ في السهول المجاورة للوادي. ثمة ما يشهدُ على هول الدمار الذي لحق بالمنازل و الحقول الزراعية. هذه المرّة لم يتحرّك أحد و لم تكن هناك مبادرات ولا أذن تسمعُ صوت الحناجر التي أثقبها الصراخُ و أعياها طولُ الأمل في من يحملُ همّها.
الساقية التي تجلبُ المياه للحقول الزراعية بين تمكوت و المناطق المجاورة لها نحو الأسفل و الوسط، تضررت و اختفت معالمها، ليعاد إصلاحها بشكل مؤقت. كلّ الحلول تكون سريعة و مؤقتة تماماً الوعود التي تعبرُ كما يعبرُ السحابُ الذي يطل من الأفق.
نبتعدُ قليلاً عن المنطقة. لنتحّدث عن قناطر الطريق الوطنية رقم 10. مثلا واحدٌ يكفي . قنطرة على مستوى واد المداد. منذ 2009 حيث ضرب الفيضان واقتلع القنطرة. ليعاد طمرُها بالتراب و الحجر مؤقتاً. أعيد فتح الطريق و بقي الجسرُ على حاله لتجر المياهُ الحجر السنة الماضية ثم أعيد طمر القنطرة مؤقتاً مرة أخرى ثم أخرى ثم أخرى. يتكرر المشهدُ نفسه هذه السنة. اقتلِعت الأحجارُ و الترابُ و أعيد طمرهاَ مرّة أخرى مؤقتاً. أشدد على هذا التعبير لأن الحلول كلها تأتي مؤقتة ثم تظل على حالها حتى يأذن الله بأن تهطل الأمطار. و يأتي المسئول و يملأ فراغ ما بين الضفتين لتفتح الطريق. ويستمر الحال هكذا. نفسٌ طويلٌ يعبّر عنه المسئولون. الجماعة فقيرة. شكراً لك، يا رجل. فل تظل فقيرة إلى أن يأذن الله للسماء أن تقلع و يغيض الماءُ ثمّ آنذاك يصبحُ الحل المؤقت حلاً دائماً، يعفيك من الإصلاح بعد كل قطرة مطر (ملء ما بين الضفتين بالتراب و الحجر ).
شكراً لك لأن الميزانية لا تكفي سوى لشراء سيارات جديدة و عيش حياة تليق بسعادة الرئيس. شكراً على الوعود الكاذبة و بيع الوهم بثمن غالٍ قردهُ ستّ سنوات من العمر، عمرٌ جيلٍ. شكراً لك سعادة الرئيس على حمل همّ المنطقة و تقدير المسؤولية و خيانة الله و الوطن و الضمير. شكراً على كلّ شيء لأن الجماعة فقيرة. الجماعةٌ هنا بمفهومها اللغوي و ليس السياسي. الجْماعة أو لجْمـــاعتْ، بالأمازيغية تاشلحيت. فقيرة ؟؟؟.

هذا بخصوص السنوات الفارطة.
أمّا اليوم، الأسبوع الماضي بالتحديد، كان مؤلماً جداً. كان مؤلماً بما للكلمة من معنى. الألمُ الذي يستشعره المرءُ و هو يشاهدُ بنيه أو أهله أو عشيرته جثتاً مرمية على طرف الوادي بين الرواسب و الحجارة و الخشب. مصير لا يتمناه أحد لعدوه حتى. ما بالك بفرد من عائلته أو من صلبه.
نفسُ الحال. أمطارٌ لساعة من الزمن تكفي لتغير معالم قرية أو تمحوها للأبد. جماعة تسراس، تفنوت و أسكاون. عاشت أحداثاً مريرة فقدت خلالها أسرٌ أفراداً. فقدت عائلاتُ مصدر رزقها و سبب عيشها. فقدت ماشيتها و مصدر دخل يقيها الفاقة، و يضمنُ لها عيشاً. عيش يحـــفظُ الحياة فقط. فقدت كلّ شيء…
لحسن حظ هؤلاء المكلومين أن الأمطار لم تستمر سوى ساعات فقط للتوقف. ماذا لو تــمّ تحذيرُ الناس من الوادي ؟ من الكارثة ؟ و من المطر؟.
مشيئة الله فوق كلّ شيء.
غير بعيد عن جماعة تسراس حيثُ الفاجعة، نجدُ جماعات تشاطرها الحدود الشمالية الغربية على مستوى جبال تيزي نتاست التابعة لدائرة أولاد برحيل. و تحديداً وادي إغري الذي جرّ حمولةَ تجاوزت قدرته الاستيعابية ما أدى بالسيول إلى الانجراف نحو القرى المتاخمة للوادي. عائلةٌ تضررت و قضي أربعة أشخاص حتفهم. منازلٌ دمرت بالكامل و اختفت فاجأة و تغيرت معالم القرى التي ضربها الوادي و انسلت المياهُ للمنازل الباقية التي صمدت أمام السيول، مخلفةَ أضراراً مادية مهمة. محاصيلُ السكان الفلاحية تضررت. ضيعاتهم اقتلعت أشجار الزيتون التي عمرّت لعشرات السنين. و مشاهدُ لا يرقى الوصفُ لتصويرها بعباراته الأشد قسوة. ولا تعبير في اللغة يصفها لأنها كارثة انسانية بما للمصطلح من معنى.
طبعاً، القرى تتحمل مسؤولية البناء على جنبات الوادي. الساكنة هي من اعترضت طريق السيول. يقول أحد الساكنة أن عمرهُ أربعون سنة أو يزيد، عاش في المكان حيثُ كان منزلهُ قبل أن تجرفه السيول طوال حياته و لم يشهد كارثة مماثلة. قدّر الله و ما شاء فعل. هي قدرة الله في الخلق. لكن من الواجب الانساني التعاطف و الرحمة و التضامن مع المتضررين كمواطنين مغاربة. شاءت الأقدار أن يولدوا في هذا المكان من عمق المغرب الذي لا يتذكرهُ المسؤولون سوى في الحملات الانتخابية.
هذه المنطقة زارها مسؤول كبير في المنطقة، يُشكرُ على هذه البادرة و نثمنها. فما أشدّ فرحة هؤلاء الضعفاء بزيارته و استبشارهم بوعوده و كلمات تضامنه. و إنّنا لنرجو من عامل صاحب الجلالة أن يولي اهتمامه بهذه المناطق و يدفع قدر المستطاع بصفته الأعلى في السلام الإداري للاقليم وله كلمة مسموعة وسلطة يخولها القانون، أن يدفع السياسيين رؤساء الجماعات للاهتمام بهذه المناطق. مناطق لها مؤهلات سياحية و ميزات تمكنها من استقطاب استثمارات في المجال السياحي إذا سلط عليها الضوء و بالتالي تعود على الاقليم و الساكنة بالنفع.
الوعود بالتنمية تأتي كالفيضان، مرةً كلّ سنة. الفيضانُ يهجمُ فيفعلُ فعلته بالناس و الحقول و القرى. و الوعود تأتي بعده أو في إطار حملة انتخابية تزول قبل أن تجف برك المياه التي خلّفها الفيضان. لكنّ الوعودَ سأمٌ وقتلٌ لهمم النفوس أكثر من الفيضان.
متى تكون لدينا إرادة سياسية ؟ نظرة للأمام، المدى البعيد بدلاً من الحلول الترقيعية و الوعود الكاذبة ؟. متى يشعر المواطنُ في هذه المنطقة أنه أعطى صوتهُ أمانة و شهادة ؟ متى يشعرُ رئيسُ الجماعة بثقل المسؤولية التي على عاتقه ؟. متى يعرفُ أن القنطرة تبنى في الغرب كي تصمد لآلاف السنين و أن ضمانة إنجازها مائة سنة ؟.
هذا بخصوص السنة التي نعيشها، و باستطاعتي وصف السنة القادمة فقط بنسخ أحداث اليوم و لصقها مع تغيير في التاريخ و الأيام. الأمل قائمٌ و العملُ يظل أمانة على عاتق السياسيين الذين ينظرون إلى الناس في هذه المناطق و يرون فيهم أوراقاً و أصواتاً في الصناديق. و لا أحد زار هذه المناطق قبل الكارثة أو فقط تكلف عناء إيصال معاناتهم إلى من يهمه الأمر.
المجتمع المدني مدعوا للتضامن بما تيسّر من مبادرات إنسانية ترفعُ الحيف عن هؤلاء الضعفاء و تضعُ جهودها بالموازاة مع جهود الدولة كي يعاد الاعتبار لهذه الفئة من المواطنين. نعرفُ جميعاً حالة الطرق و المسالك الوعرة و العزلة التي تعيشها بعض المناطق ليس في تارودانت فقط بل على المستوى الوطني. هناك جهود من طرف الدولة لحل هذه الاشكالية نلمسها في المبادرات في بعض المناطق. لكن مسؤولية الوزارات محدودة هنا، و تقع المسؤولية على عاتق الجماعة الترابية باعتبارها الوصي على المناطق التي تدخل ضمن نفوذها الترابي. خاصة و نحن على أبواب الجهوية الموسعة التي تخول للجماعة و الاقليم و الجهة تسيير جميع القطاعات التنموية ( لأن التنمية هي ما يهمنا هنا ) و المشاريع بشراكة مع المدخلين و تعطي الجماعة فرصة أكبر لتطوير ذاتها. القطاعات التي تحتاجُ إلى تدخل عاجل تهم قطاع الصحة و التعليم و الطرق. باقي المجالات لا تعتبر أولوية كبيرة في هذه المناطق. باعتبار قطاع الصحة و الطرق مجالا حيوياً.
و يبقى الرهانُ عالقاً و الأمل فسيحٌ جداً بقدر فساحة المجالات التي تحتاجُ إلى تدخل عاجل بمبادرات من المجتمع المدني و الجماعة المحلية التي تخلي بمسؤوليتها في هذا الصدد.
و في انتظار العام المقبل نطمرُ آهاتنا بأمل في الله ثمّ في من يحملون على عاتقهم أمانة تنمية المنطقة. نطمرُ مآسي هذا العام بصبرٍ و تفاؤل ( مؤقتاً ) حتى يأتي العام الجديد. نطمرُ الماضي و مآسيه أملاً في تأتي الأيام القادمةُ بغيث ينتشلُ المنطقة من الاقصاء و التهميش و العزلة.
ننتظرُ العام الجديد بأمل و صبر، في انتظار حلول فعالة لا مؤقتة، و مبادرات للتنمية لا للشفقة، و أذن تعي و تسمعُ… و في انتظار ذلك اليوم الذي يأتي فيه الفيضانُ من جديد، أيبقى الحال على ما هو عليه أو يتغير ؟.
نتركُ الجواب للعام الجديد…أو فيضانه.
رسالة مفتوحة

عن idabdellah

idabdellah
د عبد الله عبد الله كاتب روائي و شاعر من مواليد تسراس منطقة أولوز، شمال تارودانت، سنة 1988. له إصدارات و مساهمات أدبية في مجال الرواية و القصّة القصيرة بالإضافة إلى الشعّر، له ديوان قيد الطبع سيصدر قريباً.

شاهد أيضاً

ملتقى اداوكماض22

فيديوهات أولوز نيوز للملتقى الأول بإدوكماض.

طاقم “أولوز نيوز” كان حاضرا في ملتقى إدوكماض التنموي والبيئي والثقافي الأول بتغطية إعلامية لكافة …